الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
159
تفسير روح البيان
لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه الا برضى أمي فردها إلى أمه وأخبرها بالثمن فقالت ارجع فبعها بستة دنانير على رضى منى فانطلق بها إلى السوق فاتى الملك فقال استأمرت أمك فقال الفتى انها أمرتني ان لا أنقصها من ستة على أن استأمرها فقال الملك انى أعطيك اثنى عشر على أن لا تستأمرها فأبى الفتى ورجع إلى أمه وأخبرها بذلك فقالت إن الذي يأتيك ملك في صورة آدمي ليختبرك فإذا اتى فقل له أتأمر ان نبيع هذه البقرة أم لا ففعل فقال له الملك اذهب إلى أمك وقل لها أمسكي هذه البقرة فان موسى بن عمران يشتريها منك لقتيل يقتل في بني إسرائيل فلا تبيعوها الا بملئ مسكها دنانير فامسكوها وقدر اللّه تعالى على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها فما زالوا يستوصفونها حتى وصف لهم تلك البقرة بعينها مكافاة له على بره بوالدته فضلا منه ورحمة والوجه في تعيين البقرة دون غيرها من البهائم انهم كانوا يعبدون البقر والعجاجيل وحبب إليهم ذلك كما قال تعالى وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ثم تابوا وعادوا إلى طاعة اللّه وعبادته فأراد اللّه تعالى ان يمتحنهم بذبح ما حبب إليهم ليظهر منهم حقيقة التوبة وانقلاع ما كان منهم في قلوبهم وقيل كان أفضل قرا بينهم حينئذ البقر فامروا بذبح البقرة ليجعل التقرب لهم بما هو أفضل عندهم قالُوا كأنه قيل فماذا قال قوم موسى بعد ذلك فقيل توجهوا نحو الامتثال وقالوا يا موسى ادْعُ لَنا سل لأجلنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا اى يوضح ويعرف ما هِيَ ما مبتدأ وهي خبره والجملة في حيز النصب بيبين اى يبين لنا جواب هذا السؤال وقد سألوا عن حالها وصفتها لما قرع أسماعهم ما لم يعهدوه من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيى فما هاهنا سؤال عن الحال والصفة تقول ما زيد فيقال طبيب أو عالم اى ما ما سنها وما صفتها من الصغر والكبر قالَ اى موسى عليه السلام بعد ما دعا ربه بالبيان وأتاه الوحي إِنَّهُ اى اللّه تعالى يَقُولُ إِنَّها اى البقرة المأمور بذبحها بَقَرَةٌ لا هي فارِضٌ اى مسنة من الفرض وهو القطع كأنها قطعت سنها وبلغت آخره وَلا بِكْرٌ اى فتية صغيرة ولم يؤنث البكر والفارض لأنهما كالحائض في الاختصاص بالأنثى عَوانٌ اى نصف بَيْنَ ذلِكَ المذكور من الفارض والبكر فَافْعَلُوا امر من جهة موسى عليه السلام متفرع على ما قبله من بيان صفة المأمور به ما تُؤْمَرُونَ اى ما تؤمرونه بمعنى ما تؤمرون به من ذبح البقرة وحذف الجار قد شاع في هذا الفعل حتى لحق بالافعال المتعدية إلى مفعولين قالُوا كأنه قيل ماذا صنعوا بعد هذا البيان الثاني والأمر المكرر فقيل قالوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها من الألوان حتى تتبين لنا البقرة المأمور بها واللون عرض مشاهد يتعاقب على بعض الجواهر قالَ موسى عليه السلام بعد المناجاة إلى اللّه تعالى ومجيئ البيان إِنَّهُ اللّه تعالى يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ والصفرة لون بين البياض والسواد وهي الصفرة المعروفة وليس المراد بهاهنا السواد كما في قوله تعالى كأنه جمالة صفر اى سود والتعبير عن السواد بالصفرة لما انها من مقدماته واما لان سواد الإبل يعلوه صفرة فاقِعٌ لَوْنُها مبتدأ وخبر والجملة صفة البقرة والفقوع تصوع الصفرة وخلوصها يقال في التأكيد اصفر فاقع كما يقال اسود حالك وفي اسناده إلى اللون مع كونه